الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

125

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والتشويق وليفيد ذلك التقديم على المسند الفعلي تقوّي الحكم وتأكيده في جميع تلك الجمل ردا على إنكار منكريه فلذلك قيل : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ولم يقل : إذا كورت الشمس ، وهكذا نظائره . وجواب الشروط الاثني عشر هو قوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ وتتعلق به الظروف المشربة معنى الشرط . وصيغة الماضي في الجمل الثنتي عشرة الواردة شروطا ل إِذَا * مستعملة في معنى الاستقبال تنبيها على تحقق وقوع الشرط . وتكوير الشمس : فساد جرمها لتداخل ظاهرها في باطنها بحيث يختل تركيبها فيختل لاختلاله نظام سيرها ، من قولهم : كوّر العمامة ، إذا أدخل بعضها في بعض ولفّها ، وقريب من هذا الإطلاق إطلاق الطيّ في قوله تعالى : يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [ الأنبياء : 104 ] . وفسر كُوِّرَتْ بمعنى غورت . رواه الطبري عن ابن جبير وقال : هي كلمة معربة عن الفارسية وأن أصلها بالفارسية كور بكر ( بضم الكاف الأولى وسكون الراء الأخيرة ) وعلى ذلك عدّت هذه الكلمة مما وقع في القرآن من المعرّب . وقد عدها ابن السبكي في نظمه الكلمات المعربة في القرآن . وإذا زال ضوء الشمس انكدرت النجوم لأن معظمها يستنير من انعكاس نور الشمس عليها . والانكدار : مطاوع كدّره المضاعف على غير قياس ، أي حصل للنجوم انكدار من تكدير الشمس لها حين زال عنها انعكاس نورها ، فلذلك ذكر مطاوع كدر دون ذكر فاعل التكدير . والكدرة : ضد الصفاء كتغير لون الماء ونحوه . وفسر الانكدار بالتساقط والانقضاض ، وأنشدوا قول العجاج يصف بازيا : أبصر خربان فضاء فانكدر ومعنى تساقطها تساقط بعضها على بعض واصطدامها بسبب اختلال نظام الجاذبية الذي جعله اللّه لإمساكها إلى أمد معلوم .